السيد محمدحسين الطباطبائي
59
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
الغطاء عن قلوبهم والحجاب عن بصائرهم ، فحاولوا العبوديّة على حقيقة معناها ولم يلههم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه سبحانه ، كما عرفت في قوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، « 1 » وقوله : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ ، « 2 » وقوله : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً ، « 3 » فتولية أمرهم وشأنهم هذا الشأن للّه وحده لا شريك له ، إذ طهارتهم علما وعملا بما آتاهم اللّه من العلم ؛ إذ رجس المعصية والشرك لا يتحقّق إلّا بالجهل بحقيقة الشيء والغفلة منه سبحانه ، وعلمهم ذلك يكفي مؤونتها فاللّه سبحانه وليّهم وحده . ويدلّك على ما قلنا ، أنّ ما وصفهم سبحانه من أوصاف الكرامة بصيغة المفعول مثل المخلصين والمقرّبين والمطهّرين ، وما ورد من الأسماء في حقّهم بصيغة الفاعل ، فآثاره منسوبة إليه سبحانه ، كقوله : وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ، « 4 » انظر إلى موضع قوله : وَأَدْخَلْناهُ ، وقوله : مِنَ ، وكقوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ، « 5 » انظر إلى موضع قوله : نُرِي ، وقوله وَلِيَكُونَ مِنَ ، فالصراط المستقيم هو صراط ولاية اللّه محضا الذي لا سبيل للشرك علما وعملا إليه ، ولذلك نرى أنّه سبحانه على ما أضاف سبيله إلى كثيرين لم يضف صراطه المستقيم إلى غيره إلّا لطائفة من أوليائه فقط في قوله : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ، وعرّف هؤلاء المنعم عليهم في قوله : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ
--> ( 1 ) . الرعد ( 13 ) : 17 . ( 2 ) . العنكبوت ( 29 ) : 43 . ( 3 ) . الزخرف ( 43 ) : 3 . ( 4 ) . الأنبياء ( 21 ) : 75 . ( 5 ) . الأنعام ( 6 ) : 75 .